تفسير ابن كثير
أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ
وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ {55} هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {56}
يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض وأن وعده حق كائن لا محالة وأنه يحيي ويميت وإليه مرجعهم وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ
مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
{57} قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ {58}
يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم أي زاجر عن الفواحش ( وشفاء لما في الصدور ) أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس وهدى ورحمة أي يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه كقوله تعالى ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) وقوله ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) الآية وقوله تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) أي بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به ( هو خير مما يجمعون ) أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لامحالة كما قال بن أبي حاتم في تفسير هذه الآية وذكر بسنده عن بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك فجعل عمر يقول الحمد لله تعالى ويقول مولاه هذا والله من فضل الله ورحمته فقال عمر كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته ) الآية وهذا مما يجمعون وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني فرواه عن أبي زرعة الدمشقي عن حيوة بن شريح عن بقية فذكره
قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ
فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ
تَفْتَرُونَ {59} وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
لاَ يَشْكُرُونَ {60}
قال بن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل كقوله تعالى ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) الآيات وقال الإمام أحمد 3473 حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال أتيت رسول الله وأنا رث الهيئة فقال هل لك مال قلت نعم قال من أي المال قال قلت من كل المال من الإبل والرقيق والخيل والغنم فقال إذا آتاك الله مالا فلير عليك قال هل تنتج إبلك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول هذه بحر وتشق جلودها وتقول هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك قال نعم قال فإن ماآتاك الله لك حل ساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحد من موساك وذكر تمام الحديث ثم رواه 4136 عن سفيان بن عيينة عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو عن عمه أبي الأحوص و 3473 عن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن أبي الأحوص به وهذا حديث جيد قوي الإسناد وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لامستند لها ولا دليل عليها ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال ( وماظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ) أي ماظنهم إن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة وقوله ( إن الله لذو فضل على الناس ) قال بن جرير في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا قلت ويحتمل أن يكون المراد لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدنيا ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم ( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) بل يحرمون ما أنعم الله به عليهم ويضيقون على أنفسهم فيجعلون بعضا حلالا وبعضا حراما وهذا قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم وقال بن أبي حاتم في تفسير هذه الآية حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا رباح حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا موسى بن الصباح في قوله عز وجل ( إن الله لذو فضل على الناس ) قال إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله عز وجل فيقومون بين يدي الله عز وجل ثلاثة أصناف فيؤتى برجل من الصنف الأول فيقول عبدي لماذا عملت فيقول يارب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليها قال فيقول الله تعالى عبدي إنما عملت للجنة هذه الجنة فادخلها ومن فضلي عليك قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة قال ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني فيقول عبدي لماذا عملت فيقول يارب خلقت نارا وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفا منها فيقول عبدي إنما عملت ذلك خوفا من ناري فإني قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث فيقول عبدي لماذا عملت فيقول رب حبا لك وشوقا إليك وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليك وحبا لك فيقول تبارك وتعالى عبدي إنما عملت حبا لي وشوقا إلي فيتجلى له الرب جل جلاله ويقول ها أنا ذا فانظر إلي ثم يقول من فضلي عليك أن أعتقك من النار وأبيحك جنتي وأزيرك ملائكتي وأسلم عليك بنفسي فيدخل هو ومن معه الجنة
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ
وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ
فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي
السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ {61}

يخبر تعالى نبيه أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة في قوله ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم الاية وقال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) الآية وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء فكيف علمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة كما قال تعالى ( وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) ولهذا قال تعالى ( وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) أي إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون ولهذا قال لما سأله جبريل عن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك