تفسير ابن كثير
** كَذّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ
يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله لوط عليه السلام, وهو لوط بن هاران بن آزار وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام, وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم عليهما السلام, وكانوا يسكنون سدوم وأعمالها التي أهلكها الله بها, وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة, وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية متاخمة لجبال البيت المقدس, بينها وبين بلاد الكرك والشوبك, فدعاهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له, وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم, ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله, من إتيان الذكور دون الإناث, ولهذا قال تعالى:)

** أَتَأْتُونَ الذّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبّكُمْ مّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُواْ لَئِن لّمْ تَنتَهِ يَلُوطُ لَتَكُونَنّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنّي لِعَمَلِكُمْ مّنَ الْقَالِينَ * رَبّ نّجِنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ * فَنَجّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ * ثُمّ دَمّرْنَا الاَخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
لما نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش, وغشيانهم الذكور, وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم, ما كان جوابهم له إلا أن قالوا {لئن لم تنته يا لوط} أي عما جئتنا به {لتكونن من المخرجين} أي ننفيك من بين أظهرنا, كما قال تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم, تبرأ منهم وقال {إني لعملكم من القالين} أي المبغضين, لا أحبه ولا أرضى به, وإني بريء منكم, ثم دعا الله عليهم فقال {رب نجني وأهلي مما يعملون} قال الله تعالى: {فنجيناه وأهله أجمعين} أي كلهم {إلا عجوزاً في الغابرين} وهي امرأته, وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت مع من بقي من قومها, وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأعراف وهود, وكذا في الحجر حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته, وأنهم لا يلتفتوا إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه, فصبروا لأمر الله واستمروا, وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم, وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود, ولهذا قال تعالى: {ثم دمرنا الاَخرين * وأمطرنا عليهم مطراً ـ إلى قوله ـ وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.

** كَذّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ
هؤلاء ـ يعني أصحاب الأيكة ـ هم أهل مدين على الصحيح وكان نبي الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل ههنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة, وهي شجرة, وقيل شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها, فلهذا لما قال: كذب أصحاب الاَيكة المرسلين لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب, وإنما قال {إذ قال لهم شعيب} فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه, وإن كان أخاهم نسباً. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة, فظن أن أصحاب الاَيكة غير أهل مدين, فزعم أن شعيباً عليه السلام بعثه الله إلى أمتين, ومنهم من قال: ثلاث أمم. وقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي ـ وهو ضعيف ـ حدثني ابن السدي عن أبيه, وزكريا بن عمر عن خصيف عن عكرمة, قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً, مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة, ومرة إلى أصحاب الأيكة, فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة, وروى أبو القاسم البغوي عن هدبة عن همام عن قتادة في قوله تعالى: {وأصحاب الرس} قوم شعيب.
وقوله {وأصحاب الأيكة} قوم شعيب, وقاله إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد, والله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة, عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد, عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان, بعث الله إليهما شعيباً النبي عليه السلام» وهذا غريب, وفي رفعه نظر, والأشبه أن يكون موقوفاً, والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء, ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان, كما في قصة مدين سواء بسواء, فدل ذلك على أنهما أمة واحدة.

** أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتّقُواْ الّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلّةَ الأوّلِينَ
يأمرهم الله تعالى بإيفاء المكيال والميزان, وينهاهم عن التطفيف فيهما, فقال {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين} أي إذا دفعتم للناس فكملوا الكيل لهم, ولا تبخسوا الكيل فتعطوه ناقصاً, وتأخذوه إذا كان لكم تاماً وافياً, ولكن خذوا كما تعطون, وأعطوا كما تأخذون {وزنوا بالقسطاس المستقيم} والقسطاس هو الميزان, وقيل هو القبان. قال بعضهم: هو معرب من الرومية. قال مجاهد: القسطاس المستقيم هو العدل بالرومية. وقال قتادة القسطاس العدل. وقوله {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي لا تنقصوهم أموالهم {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} يعني قطع الطريق, كما قال في الاَية الأخرى {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}.
وقوله {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين} يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل, كما قال موسى عليه السلام {ربكم ورب آبائكم الأولين} قال ابن عباس ومجاهد والسدي وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم {والجبلة الأولين} يقول: خلق الأولين وقرأ ابن زيد {ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً}.