تفسير ابن كثير
** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوَاْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىَ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَآعْلَمُوَاْ أَنّ فِيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مّنَ الأمْرِ لَعَنِتّمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ حَبّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ * فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَنِعْمَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله, فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً, فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه, وقد نهى الله عز وجل عن اتباع سبيل المفسدين, ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر, وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق, وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال, وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري ولله تعالى الحمد والمنة, وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الاَية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط, حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق, وقد روي ذلك من طرق ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق, وهو الحارث بن ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق, حدثنا عيسى بن دينار, حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه يقول: قدمت على رسول الله فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به. ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته. وترسل إلي يا رسول الله رسولاً إبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة.
فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول لم يأته وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله, فدعا بسروات قومه فقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف, ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة, فانطلقوا بنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة, فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق أي خاف, فرجع حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي, فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث البعث إلى الحارث رضي الله عنه وأتى الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث, فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم ؟ قالوا: إليك. قال: ولم ؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله. قال رضي الله عنه: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني.
فلما دخل الحارث على رسول الله قال: «منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟» قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله صلى الله عليه وسلم, خشيت أن يكون كانت سخطة الله تعالى ورسوله. قال فنزلت الحجرات {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ـ إلى قوله ـ حكيم} ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به, غير أنه سماه الحارث بن سرار والصواب أنه الحارث بن ضرار كما تقدم. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة, عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله قالت فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله, قالت فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون, قالت فبلغ القوم رجوعه, فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفوا له حين صلى الظهر, فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله, بعثت إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا بذلك وقرت به أعيننا, ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم, فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال رضي الله عنه فأذن بصلاة العصر قالت ونزلت {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.
وروى ابن جرير أيضاً من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الاَية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات, وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة, فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً, فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله, إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق, وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا, وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله, وإن النبي صلى الله عليه وسلم استغشهم وهم بهم, فأنزل الله تبارك وتعالى عذرهم في الكتاب فقال: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} إلى آخر الاَية.
وقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم, فتلقوه بالصدقة فرجع فقال إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك, زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إليهم, وأمره أن يتثبت ولا يعجل, فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فلما جاؤوا أخبروا خالداً رضي الله عنه أنهم مستمسكون بالإسلام, وسمعوا أذانهم وصلاتهم, فلما أصبحوا أتاهم خالد رضي الله عنه فرأى الذي يعجبه فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فأنزل الله تعالى هذه الاَية. قال قتادة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «التثبث من الله والعجلة من الشيطان» وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك, ومقاتل بن حيان, وغيرهم في هذه الاَية أنها أنزلت في الوليد بن عقبة, والله أعلم.
وقوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله } أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره, فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم, ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال تبارك وتعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم, كما قال سبحانه وتعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون} وقوله عز وجل: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} أي حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم.
قال الإمام أحمد: حدثنا بهز حدثنا علي بن مسعدة, حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الإسلام علانية والإيمان في القلب ـ قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول ـ التقوى ههنا التقوى ههنا» {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} أي وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار والعصيان, وهي جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة, وقوله تعالى: {أولئك هم الراشدون} أي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري, حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال: لماكان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استووا حتى أثني على ربي عز وجل» فصاروا خلفه صفوفاً فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لك الحمد كله, اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت, ولا هادي لمن أضللت, ولا مضل لمن هديت, ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت, ولا مقرب لما باعدت, ولا مباعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك, اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين, اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك, اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق» ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد ابن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به. وفي الحديث المرفوع: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» ثم قال: {فضلاً من الله ونعمة} أي هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه {والله عليم حكيم} أي عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدرته.

** وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ * إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ
يقول تعالى آمراً بالإصلاح بين الفئتين الباغين بعضهم على بعض: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} فسماهم مؤمنين مع الاقتتال, وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت, لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم, وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكر رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوماً, ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهما, فجعل ينظر إليه مرة, وإلى الناس أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فكان كما قال صلى الله عليه وسلم, أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة, والواقعات المهولة. وقوله تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} أي حتى ترجع إلى أمر الله» ورسوله, وتسمع للحق وتطيعه, كما ثبت في الصحيح عن أنس رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قلت: يا رسول الله, هذا نصرته مظلوماً, فكيف أنصره ظالماً ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه».
وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم, حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يحدث أن أنساً رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم, لو أتيت عبد الله بن أبي, فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم, وركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون, وهي أرض سبخة, فلما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم إليه قال: «إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك» فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه, فغضب لكل واحد منهما أصحابه, قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال, فبلغنا أنه أنزلت فيهم {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} ورواه البخاري في الصلح عن مسدد ومسلم في المغازي عن محمد بن عبد الأعلى كلاهما عن المعتمر بن سليمان عن أبيه به نحوه.
وذكر سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال, فأنزل الله تعالى هذه الاَية فأمر بالصلح بينهما, وقال السدي: كان رجل من الأنصار يقال له عمران , كانت له امرأة تدعى أم زيد, وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها, فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها. وإن المرأة بعثت إلى أهلها, فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها, وإن الرجل كان قد خرج, فاستعان أهل الرجل, فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها, فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم الاَية, فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصلح بينهم وفاؤوا إلى أمر الله تعالى. وقوله عز وجل: {فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} أي اعدلوا بينهما فيما كان أصاب بعضهم لبعض بالقسط وهو العدل {إن الله يحب المقسطين}.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي, حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين أيدي الرحمن عز وجل بما أقسطوا في الدنيا» ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن عبدالأعلى به. وهذا إسناده جيد قوي رجاله على شرط الصحيح, وحدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد, حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار, عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش, الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وماولوا» ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به. وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} أي الجميع إخوة في الدين, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» وفي الصحيح «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» وفي الصحيح أيضاً «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك مثله» والأحاديث في هذا كثيرة, وفي الصحيح «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» وفي الصحيح أيضاً «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.
وقال أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج, حدثنا عبد الله, أخبرنا مصعب بن ثابت حدثني أبو حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد في الرأس» تفرد به أحمد ولا بأس بإسناده, وقوله تعالى: {فأصلحوا بين أخويكم} يعني الفئتين المقتتلتين {واتقوا الله} أي في جميع أموركم {لعلكم ترحمون} وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه.

** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَىَ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىَ أَن يَكُنّ خَيْراً مّنْهُنّ وَلاَ تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ وَمَن لّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ
ينهى تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم, كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكبر بطر الحق وغمص الناس ـ ويروى ـ وغمط الناس» والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم, وهذا حرام فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدراً عند الله تعالى, وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له, ولهذا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم, ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن} فنص على نهي الرجال, وعطف نهي النساء. وقوله تبارك وتعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} أي لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون كما قال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} والهمز بالفعل واللمز بالقول, كما قال عز وجل: {هماز مشاء بنميم} أي يحتقر الناس ويهمزهم طاغياً عليهم ويمشي بينهم بالنميمة وهي اللمز بالمقال, ولهذا قال ههنا: {ولا تلمزوا أنفسكم} كما قال: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي لا يقتل بعضكم بعضاً.
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل بن حيان {ولا تلمزوا أنفسكم} أي لا يطعن بعضكم على بعض, وقوله تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب} أي لا تداعوا بالألقاب, وهي التي يسوء الشخص سماعها. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل, حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك, قال فينا نزلت في بني سلمة {ولا تنابزوا بالألقاب} قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة, فكان إذا دعا واحداً منهم باسم من تلك الأسماء, قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا, فنزلت {ولا تنابزوا بالألقاب} ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن داود به. وقوله جل وعلا: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} أي بئس الصفة والاسم الفسوق. وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يتناعتون بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه {ومن لم يتب} أي من هذا {فأولئك هم الظالمون}.